الأحد ١٦ يونيو, ٢٠١٩ 

أنشطة الأعضاء

المشاركة المصرية في قمة مبادرة الحزام والطريق- السفير عزت سعد

 يشارك الرئيس عبدالفتاح السيسي في قمة المنتدي الثاني للتعاون الدولي للدول الاعضاء في مبادرة الحزام والطريق المقرر عقدها في بكين في الفترة من 25 الي 27 ابريل الجاري. ومنذ إطلاقها في سبتمبر 2013، أصبحت المبادرة بمثابة حجر الزاوية لاستراتيجية السياسة الخارجية الصينية ومحور دبلوماسيتها الاقتصادية. وقد تبلورت المبادرة بصورة أكثر وضوحاً خلال منتدى دولي استضافته الصين على مستوي القمة في 14 مايو 2017، بمشاركة نحو 30 رئيس دولة وحكومة وبمشاركة عدد من الوزراء المصريين. ويبلغ عدد الدول اعضاء المبادرة اليوم 130دولة بلغت تجارة الصين معها خلال السنوات الخمس الماضية 5 تريليون دولار كما تجاوزت استثماراتها فيها 80 مليار دولار.

وبصفة عامة تستهدف المبادرة تعزيز اندماج الصين في الاقتصاد العالمي من خلال مسارات أكثر عمقاً بما فيها التجارة والاستثمار والتوجه نحو عالم متعدد الأقطاب واقتصاد معولم وتنوع ثقافي وتطبيق واسع لتكنولوجيا المعلومات وتعزيز نظام عالمي لحرية التجارة واقتصاد عالمي منفتح في إطار من التعاون الإقليمي والدولي وعلى قاعدة المنافع المتبادلة.

وبطبيعة الحال هناك بعد جيواستراتيجي لا يستهان به في المبادرة كونها تحرك صيني لرسم مستقبل توازن القوي الدولي، وهو تحرك أربك الولايات المتحدة و الاتحاد الأوروبي وروسيا، على النحو الذي كشفت عنه ردود فعل هذه القوي على المبادرة حتى الآن. ورغم الانتقادات الشديدة التي وجهتها تلك القوي للمبادرة ووصفها بأنها نظام عالمي تفرض الصين بموجبه قيمها ومبادئها السياسية وثقافتها بقوة بما يجعلها مركز هذا النظام لكي يصبح البديل للنظام الغربي الليبرالي، إلا أن معظم دول الغرب لم تستطع الصمود أمام ما تتضمنه المبادرة من مزايا وحوافز، حيث امتد انخراط دول اوروبا الوسطي و الشرقية ومنطقة البلقان في المبادرة في اطار صيغة 1+16 لتشمل ايطاليا، أحدي الدول الصناعية الكبرى السبع وعضو الناتو وثالث أكبر اقتصاد أوروبي موقعة مذكرة انضمامها للمبادرة خلال زيارة الرئيس الصيني لروما في 10 ابريل الجاري، ضمن جولة اوروبية شملت فرنسا وبروكسل.
 
وما ينبغي الاشارة اليه هنا هو أن الولايات المتحدة الامريكية فشلت فشلاً ذريعاً في عزل طموحات الصين الاقتصادية عبر اتفاقيات شراكة استراتيجية مع دول آسيا والمحيط الهادي، كان قد دعا اليها الرئيس السابق أوباما، قبل ان يعلن الرئيس الحالي ترامب الانسحاب منها وشن حرب تجارية ضد الصين. كذلك فشلت واشنطن في اقناع حلفائها بعدم الانضمام الي البنك الاسيوي للاستثمار في البنية التحتية الذي بادرت الصين بإنشائه عام2015 ليكون الذراع التمويلي لمشروعات المبادرة، مؤسسة حملتها ضد انشاء البنك على انه يهدد وجود صندوق النقد والبنك الدوليين ويقوض النظام المالي الدولي القائم من خلال إتاحة استثمارات بدون فرض شروط خاصة بمكافحة الفساد وحماية البيئة. ولم تمنع هذه الحجج كل حلفاء امريكا من الانضمام للبنك الجديد مثل بريطانيا وفرنسا والمانيا وكندا واستراليا واسرائيل وكوريا الجنوبية ومصر، التي انضمت للبنك كعضو مؤسس، حيث بدأ تمويل عدد من المشروعات في مصر.

وتحظي منطقة الشرق الأوسط بمكانه إستراتيجية بارزة في قلب مبادرة الحزام والطريق، حيث توجد قناعة صينية بأن التعاون مع دول المنطقة ، وبخاصة المنطقة العربية، يمثل ضرورة حيوية لوضع المبادرة موضع التنفيذ. بل يمكن القول بأن المبادرة تشكل نقطة تحول هامة مع علاقات الصين بالمنطقة، التي باتت مصدر نصف احتياجات الصين من النفط والغاز وأصبحت الصين المستثمر الاكبر في الشرق الاوسط، وبلغت تجارتها مع الدول العربية (2017) نحو 200 مليار دولار.

وفي هذا السياق تقدر بكين أن التنسيق الاستراتيجي الصيني مع العالم العربي ومع مصر بصفة خاصة ارتباطاً بوضعية قناة السويس كشريان حيوي للتجارة العالمية، يمثل مكوناً هاماً من الرؤية الصينية للمبادرة ذاتها. ومن هنا اقترحت الصين إستراتيجية تعاون شامل مع الدول العربية، المعروفة بصيغة "1+2+3"، بمعني التعاون في مجال الطاقة(1)، تنمية البنية التحتية من خلال الإعمار وتسهيلات التجارة والاستثمار(2) والتعاون العربي/الصيني في التكنولوجيا المتقدمة في مجالات الطاقة النووية والأقمار الصناعية والطاقة الجديدة(3).

وكان الرئيس الصيني القي كلمة أمام الجامعة العربية في يناير 2016 ، ضمن فعاليات زيارته للقاهرة لخص فيها رؤيته لدور الصين في الشرق الأوسط في ورقة حول سياسة الصين في المنطقة العربية. 

الواقع أن الصين بصعودها الواعد وسياستها الخارجية الواثقة، وان كانت قد دفعتها إلي المطالبة بتغييرات جوهرية على المؤسسات القائمة، إلا أنها لا تسعي إلي الإطاحة بالنظام الدولي القائم بأسره، حيث لا تمتلك بديلاً متماسكاُ للنظام الحالي كما أنها في الواقع عضواً في كافة المؤسسات الرئيسية الحالية وفي قلب العولمة الاقتصادية.

ومن المهم الإشارة إلي أنه خلال زيارة الرئيس الصيني لمصر في يناير عام 2016 تم التوقيع على مذكرة تفاهم انضمت مصر بموجبها الي الحزام الاقتصادي لطريق الحرير(الطريق البحري) مما سيساهم في تنمية المنطقة الاقتصادية لقناة السويس كمنطقة تجارة تشمل 4 مناطق صناعية ولوجستية وتطوير ستة موانئ. بجانب وثائق أخرى كثيرة في مجالات البنية التحتية وتوليد الكهرباء والتجارة والطاقة والتمويل والثقافة والبيئة والفضاء والتكنولوجيا، كما اتفق على تنفيذ مشروعات في مصر بقيمة إجمالية قدرها حوالي 15 مليار دولار أمريكي، بدأ تنفيذ بعضها بالفعل. وفي هذا السياق شهدت الزيارة تدشين المرحلة الثانية من المنطقة الاقتصادية والتجارية المصرية/الصينية شمال غرب خليج السويس بالعين السخنة، لجذب استثمارات صناعية تقدر بنحو 30 مليار دولار.

و في تقدير الخبراء الصينيين والدوليين ممن كتبوا حول مبادرة الحزام والطريق، فإن مصر تأتي من بين أولي الدول في منطقة الشرق الأوسط التي ستستفيد من المشاريع التنموية الضخمة المنتظر إقامتها حول الحزام الاقتصادي البحري لطريق الحرير، بما في ذلك العاصمة الإدارية الجديدة التي تتطلب تمويلاً يقدر بنحو 45 مليار دولار للمرحلة الأولي منها. وتشمل مساهمة الصين شراء سندات لمشروعين مصريين قطاع عام وتعهد بتقديم تمويل قيمته 20 مليار دولار و 15 مليار دولار على التوالي.

من ناحية أخري، تتوافق المبادرة الصينية إلي حد كبير مع الإستراتيجية المصرية لتنمية محور قناة السويس، وهو ما يخدم مصالح الطرفين. ويعكف بنك التنمية الصيني على إعداد برنامج للتعاون بين البلدين لتنمية المحور وتعميق العلاقات الاقتصادية عموماً، خاصة بعد اكتمال المرحلة الأولي من البنية التحتية للمنطقة. ومما لاشك فيه أن موقع مصر وقناة السويس كممر رئيسي لتدفقات التجارة العالمية بشكل عام وللتجارة الصينية بشكل خاص يكسب مصر موقعاً استثنائياً كملتقي للقارات الثلاث (إفريقيا/آسيا/أوروبا) وخصوصية ارتباطاً بمبادرة الحزام والطريق، حيث تمثل مصر المعبر الرئيسي والوحيد لطريق الحرير البحري من المحيط الهندي إلي القارة الأوروبية وكذا للشمال الإفريقي. 

هذا ومن المنتظر أن يصدر عن القمة الثانية لمنتدي الحزام والطريق بيان ختامي يؤكد مضي قادة الدول المشاركة نحو مزيد من التعاون في كافة المجالات على اساس الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشئون الداخلية للدول وحق كل دولة في تبني نموذج التنمية الذي يتواءم مع مصالحها.

نشرت بجريدة الاهرام يوم الخميس 25 إبريل 2019 ، عدد 48352 و رابط دائم: 
http://www.ahram.org.eg/NewsQ/706508.aspx

 

 

المزيد من أنشطة الأعضاء

حلف شمال الاطلنطي في عيده السبعين ...بقلم سفير د. عزت س...

 حلف شمال الاطلنطي في عيده السبعين ...بقلم سفير د. عزت سعد  المزيد

التصعيد التركي غير المبرر في شرق المتوسط9/5/2019

 التصعيد التركي غير المبرر في شرق المتوسط 9-5-2019  المزيد

أشهر سفراء مصر في أمريكا: الرئيس السيسي يتحدث باسم العرب...

  أشهر سفراء مصر في أمريكا: الرئيس السيسي يتحدث باسم العرب وأفريقيا السفير عبد الرءوف الريدي خلال الحوار مع أسامة السعيد 9/4/2019   المزيد

1/4/2019سياسات مصر تجاه السلام ... معادلة الثوابت و المستجدات-...

 سياسات مصر تجاه السلام ... معادلة الثوابت و المستجدات- السفير د. عزت سعد   المزيد

31/3/2019السلام بعد أربعين عامًا ... أ. د. محمد كمال

 السلام بعد أربعين عامًا ... أ. د. محمد كمال  31-3-2019  المزيد