الأحد ١٩ مايو, ٢٠١٩ 

أنشطة الأعضاء

1/4/2019سياسات مصر تجاه السلام ... معادلة الثوابت و المستجدات- السفير د. عزت سعد

 يوافق 26 مارس الماضى ذكرى مرور 40 عاماً على توقيع معاهدة السلام المصرية / الإسرائيلية. وعلى حين شهدت إسرائيل أجواء احتفالية متعددة بمناسبة مرور 40 عاماً على الزيارة التاريخية للرئيس السادات للقدس في نوفمبر 1977، والتي قادت إلى إبرام المعاهدة، كما قام الكونجرس الأمريكي باعتماد قانون بموجبه تم تكريم الرئيس السادات بهذه المناسبة أيضاً، لم تحظَ المناسبة باهتمام رسمي أو إعلامي في مصر. باستثناء بعض المقالات الصحفية المتفرقة. 

ومنذ إبرام المعاهدة وحتي الآن، التزمت مصر بها التزاماً كاملاً، بحيث بات الحفاظ على السلام في الشرق الأوسط، و ترسيخ الاسانيد القانونية لقيام دولة فلسطينية معترف بها دولياً، بمثابة ركيزة أساسية في سياسة مصر الخارجية. و انعكس التزام مصر بالسلام ونبذ الحرب بوضوح في الخطاب السياسي للرؤساء المصريين وفي السلوك المصري على صعيد السياسة الخارجية. ووفقاً للعديد من المحللين، فإنه على الأقل خلال عقد الثمانينات من القرن الماضي، تجسدت سياسة مصر الخارجية تجاه إسرائيل في سلام بارد أساساً، حيث كان أحد أهم الأهداف الرئيسية لهذه السياسة، بعد تولي الرئيس مبارك الحكم، في إعادة مصر للمنظومة العربية ونزع فتيل التوتر في علاقاتها بشقيقاتها العربية، وهو ما أثمر عن عودة العلاقات الدبلوماسية بين الجانبين على اساس ثنائي بعد قمة عمان عام 1987 واكتمال عودتها بالقمة التي شاركت فيها مصر في المغرب عام 1989 وعودة الجامعة العربية الي مقرها بالقاهرة عام 1990.
 
جدير بالذكر انه ارتباطاً بالموقف العربي من الاتفاقية أعرب الرئيس الامريكي الاسبق جيمي كارتر – الذي قام بدور الوسيط بين الراحل السادات و مناحم بيجن– عن " عميق أسفه أنه بعد كامب دافيد ، لم تدعم أي دولة عربية أخرى جهود مصر من أجل سلام شامل"، مشيراً الي ان بعض القادة العرب أبلغوه " أنهم يأسفون لعدم دعمهم كامب دافيد، بما فيهم الراحل ياسر عرفات الذي ابلغه بأن الخطأ السياسي الاسوء له في حياته كان عدم تأييد اتفاقات كامب دافيد، لأنها أعطت شعبه كل ما كان بوسعه طلبه آنذاك، أي حكم ذاتي كامل وإدارة شئونه بنفسه وانسحاب اسرائيلي من الاراضي المحتلة"(1 ).

 
تجدر الاشارة إلى أن معاهدة السلام عكست موقف مصر الثابت بأن التقارب مع إسرائيل مرتبط بسلام شامل في الشرق الأوسط، بما في ذلك تنفيذ خطة حكم ذاتي للفلسطينيين نصت عليها اتفاقات كامب دافيد بصورة تفصيلية وواقعية. وكانت مصر وقعت ما يسمي بإتفاقية إطار السلام الشامل في الشرق الاوسط، في سبتمبر 1978، والمتضمنة تسوية القضية الفلسطينية طبقاً لمقررات الشرعية الدولية ، وذلك قبل أن توقع معاهدة السلام مع اسرائيل بستة أشهر. 
 
ومن أسفٍ، تم تقويض ذلك بسبب الرفض الفلسطيني للاتفاقية والتوسع الاستيطاني الإسرائيلي، وهو ما قاد إلى التوقف الكامل لعملية التطبيع الإسرائيلي - المصري عام 1982، حيث أدي السلوك الإسرائيلي الي خلق أجواء من الشك لدى الجانب المصري، جعلت من الصعب على الدبلوماسية المصرية، آنذاك، إجراء أي حوار ذا أهمية مع النظراء الإسرائيليين.
 
 من ناحية أخري، أتاحت المعاهدة لمصر دوراً رئيسياً في سلام الشرق الأوسط وجعلتها لاعباً محورياً في كافة الجهود الدولية الدبلوماسية لإيجاد تسوية للصراع الإسرائيلي/ الفلسطيني. وتشير التطورات التي جرت منذ إبرام المعاهدة وحتى الآن إلى التزام كافة الحكومات المصرية المتعاقبة، بالعملية الدبلوماسية التي قامت المعاهدة على أساسها، وهو ما كان وما يزال محل تقدير كبير من قبل المجتمع الدولي.
 
على مستوى الرأي العام، والنخبة في مصر، تباينت وجهات النظر حول جدوى المعاهدة ومردودها على المصالح المصرية، ما بين وجهة نظر قائلة بأنها كانت شراً لابد منه، حيث وضعت نهاية لاستنزاف الموارد والطاقات البشرية التي أهدرت في الحروب مع اسرائيل، وأنها لم تكن في الواقع بهدف التطبيع مع هذه الدولة، بينما يري البعض الآخر أنها "أصابت الدور القيادي المصري في النظام العربي بضرر بالغ بعد الرفض العربي شبه الاجماعى للمعاهدة"( 2)، كما تقدر وجهة نظر ثالثة بأن المعاهدة مثلت بداية تراجع الأهمية الدبلوماسية لمصر، وأن الرئيس الراحل السادات بتوقيعه على اتفاق السلام مع الإسرائيليين قد قلص الوزن التفاوضي للجانب العربي في مجمل الصراع(3 ).
 
تجدر الإشارة الي أنه بموجب المعاهدة، استردت مصر كامل شبه جزيرة سيناء، بما فيها مثلث طابا حيث نجحت في استرداده بالتحكيم الدولي في مارس 1989. وقد صمدت المعاهدة أمام العديد من التحديات والصعوبات حيث تعاملت مصر بقدر كبير من الحكمة وضبط النفس مع استفزازات عديدة من جانب اسرائيل، مستخدمة أدوات سياسة خارجية سلمية ، مثل سحب السفير المصري من اسرائيل بعد وقوع مذبحة صبرا وشاتيلا عام 1982. في المقابل ، فإن ما توقعته إسرائيل من تطبيع للعلاقات على مستوى الشعبين لم يتحقق، رغم "السلام الرسمي" القائم منذ 40 عاماً.
 
ويتعين النظر الي سياسة مصر الخارجية تجاه إسرائيل، بدءاً بمعاهدة السلام والاتصالات والتحركات التي سبقتها، بوصفها جزء من تحول الرئيس الراحل السادات نحو الولايات المتحدة الأمريكية بدلاً من الاتحاد السوفيتي، والاقتناع بأن لواشنطن نفوذ كبير على إسرائيل، يمكن استخدامه لإبرام سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط، واستعادة سيناء. ومع ذلك، وبمضي الوقت، أدرك الرئيس مبارك أن التعويل الكامل على الولايات المتحدة الأمريكية في هذا الشأن أمر مبالغ فيه وأن خصوصية علاقات الولايات المتحدة بإسرائيل تؤدي بالضرورة الي تأثر علاقات القاهرة بواشنطن جوهرياً بالعامل الاسرائيلي، وذلك رغم تفضيل مصر إدارة علاقاتها بالولايات المتحدة على أساس المصالح المشتركة وما تتسم به علاقاتهما من أبعاد استراتيجية(4 ). 
 
لم يكن يمضِي عقد ونصف على إبرام المعاهدة حتى استعاد مبارك العلاقات الدبلوماسية الكاملة مع روسيا الاتحادية عام 1994، والتي شهدت صعوداً تدريجياً، خاصة بعد وصول بوتين لقمة السلطة في عام 2000 وتبني سياسة خارجية منفتحة على القوي الكبرى المختلفة، ثم جاء الرئيس السيسي ليرسخ شراكة استراتيجية شاملة مع موسكو وبكين ودول اخرى كثيرة في إطار سياسة تنويع الخيارات التي رفعتها مصر منذ ثورة يونيو 2013.
 
ومن المهم التأكيد أيضاً على أن القيادات الإسرائيلية المتعاقبة، ابتداءً من دافيد بن جوريون وحتى بنيامين نتنياهو، تبنت مواقف انتهازية وسياسات توسعية، خاصة منذ تولي نتنياهو الذي تقوم سياسته آزاء أي جهود للتسوية على الخداع والمراوغة، مما ساهم في تعزيز مكانة المتطرفين واليمين العنصري، وهو ما يتناقض تماماً مع الأسس التي قامت عليها دولة إسرائيل بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 قبل أكثر من سبعين عاماً، أبدت إسرائيل خلالها مقاومة عنيدة لإنشاء دولة فلسطينية على أي جزء من أرض فلسطين التاريخية، معتمدة في ذلك على سلبية الادارات الامريكية المتعاقبة ودعم اللوبي الاسرائيلي والقوى الداخلية الاخرى في الولايات المتحدة الامريكية.
 
و بغض النظر عن عملية السلام وتطوراتها، هناك عدد من العوامل التي تقف وراء التطورات الايجابية الملحوظة في العلاقات/المصرية الاسرائيلية، يتمثل أولها في نجاح المؤسسة الأمنية في البلدين في تطوير مستويات عالية من التعاون في مكافحة الارهاب في سيناء، امتد ليشمل موافقة اسرائيل على وجود عسكري مصري في المنطقة المحدودة السلاح في سيناء خلال السنوات الأخيرة. وفي بدايات 2016، ولأول مرة منذ عام 2012، قامت مصر بتعيين سفير لها في تل أبيب، وأعادت إسرائيل فتح سفارتها في القاهرة، والتي كانت قد أغلِقت في أعقاب احتجاجات عاصفة عام 2011.
 
 أما العامل الثاني فيتعلق بحركة حماس والموقف في قطاع غزة، والدور المصري في الوساطة بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني ارتباطاً بذلك. ويضاف الي هذين العاملين، ما يشير اليه البعض(5 )، بشأن الرؤية الخاصة لزعيمي البلدين للعلاقات بينهما، بينما يشير البعض الآخر إلى التعاون المصري / الإسرائيلي المتزايد في مجال الطاقة، وذلك كعوامل وفرت تربة خصبة لتكثيف التعاون المصري الإسرائيلي خلال السنوات القليلة الماضية( 6).
وكان التعاون بين تنظيم ولاية سيناء وكتائب القسام قد زاد في عام 2011 في شكل تهريب أسلحة من سيناء إلى قطاع غزة وتدريب إرهابيي ولاية سيناء. و اتهمت مصر حماس بالوقوف وراء تقديم الدعم اللوجستي لولاية سيناء، والمسئولة عن مقتل 33 جندياً مصرياً في أواخر عام 2013 وتهريب متفجرات لإرهابيي عناصر هذا التنظيم الارهابي عبر أنفاق غزة، وهو ما أنكره قادة حماس.
 
وبالرغم من ذلك، حرصت مصر على فتح معبر رفح – وهو الوحيد الذي لا تسيطر إسرائيل على عملية الدخول من خلاله إلى القطاع -  بصورة شبه منتظمة لتلبية الاحتياجات الإنسانية والاقتصادية لسكان القطاع. وفي الوقت
ذاته، قامت قوات الأمن المصرية بتدمير عشرات الأنفاق التي حفرتها حماس لممارسة أنشطة عسكرية واقتصادية. وفي هذا السياق، اضطُرَّت السلطات المصرية إلى إنشاء منطقة عازلة على الحدود المصرية مع غزة.
 
وفي التقدير، فإن التعامل مع قطاع غزة والجهود المتعلقة بعملية المصالحة الفلسطينية والتهدئة تمثل أحد أهم
محاور سياسة مصر الخارجية النشطة، ان لم يكن أهمها على الاطلاق، ارتباطاً بالعلاقات مع إسرائيل وبمجمل عملية السلام. وفي هذا السياق، يمكن الإشارة إلى دور أجهزة الأمن المصرية النشط في تنسيق محادثات غير مباشرة بين إسرائيل وحماس. وعلى سبيل المثال، نجحت الوساطة المصرية في أواخر عام 2011 في تأمين عملية تسليم الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط الذي كان محتجزاً في غزة مقابل تسليم 1027 من الأسري الفلسطينيين في سجون إسرائيل. وقد نجحت سياسة مصر في هذا الشأن في الحد من النفوذ التركي والقطري والإيراني على حركة حماس، أو موازنته على أقل تقدير. 
 
والحقيقة أن المخاوف الأمنية المصرية المشروعة من النشاط الإرهابي في سيناء والجهود المكثفة التي تبذلها مصر من أجل عملية الإسراع بتعافيها الاقتصادي، هي الأسباب وراء تبني الرئيس السيسي مقاربة واقعية في سياسته الخارجية تعطي الاولوية للمصالح المصرية، وبالتالي ترحب القاهرة بأية فرص من شأنها تنمية البلاد اقتصادياً واجتماعياً مع أية دول أخرى، حتى ولو كانت إسرائيل. وفي هذا السياق، جاءت المبادرة المصرية بإنشاء منتدى للتعاون في غاز شرق المتوسط، يضم في عضويته مصر و إسرائيل وفلسطين بجانب دول أخرى في المنطقة (قبرص – اليونان – الأردن وإيطاليا).
 
إلا أن هذا التعاون والتنسيق المصري / الإسرائيلي لا يعني أن القاهرة مستعدة لدعم أي اتفاق لتسوية الصراع. ففي الوقت الذي تقوم فيه بمسئولياتها تجاه قطاع غزة ومحاولة ترويض سلوك حماس والدفع بعملية المصالحة الفلسطينية رغم الصعوبات والعقبات، فإنها في الوقت ذاته تؤكد دائماً على ثوابت حل المشكلة الفلسطينية على أساس حل الدولتين وحدود 4 يونيو 1967 والقدس الشرقية كعاصمة للدولة الفلسطينية المستقلة. كما تؤكد القاهرة هذه الثوابت في اتصالاتها بالجانب الإسرائيلي وبكافة الأطراف الدولية المعنية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك بجانب المؤتمرات والفعاليات الدولية ذات الصلة، التي يتم فيها طرح الشأن الفلسطيني للنقاش الدولي العام. 
 
ومن المهم التأكيد على أنه إضافة الي الدور الامريكي في عملية التفاوض على معاهدة السلام وكونها البلد الذي رعي عملية السلام بين مصر واسرائيل والضامن لأمن هذه الأخيرة، ليس بالإمكان تجاهل الدور الحاسم للولايات المتحدة الأمريكية في خلق بيئة استراتيجية كان من شأنها توفير حوافز أمنية واقتصادية لمصر لتشجيعها على الاحتفاظ بالسلام مع إسرائيل(7 ).
 
 وفي هذا السياق، فقد زادت الولايات المتحدة من مساعداتها الاقتصادية لمصر من 85 مليون دولار سنوياً بعد اتفاق سيناء الأول، المعروف باتفاق فصل القوات، عام 1974 إلى مليار دولار بعد توقيع معاهدة كامب دافيد. وشملت صفقة المساعدات الأمريكية أيضاً مكوناً عسكرياً بقيمة 1.3 مليار دولار سنوياً منذ ثمانينات القرن الماضي. ويضيف البعض إلى الأسباب وراء هذا الدعم الأمريكي لمصر – بحق - مخاوف استراتيجية أمريكية أوسع دفعتها إلى دعم مصر هي احتواء النفوذ السوفيتي في الشرق الأوسط وضمان التدفق الحر للنفط عبر قناة السويس، رغم الأهمية الثانوية لذلك بالمقارنة بأولوية دعم السلام مع إسرائيل( 8).
 
وبفضل الدعم والتشجيع الأمريكي، اكتسب التعاون الاقتصادي المصري / الإسرائيلي أبعاداً جديدة منذ بدايات عقد التسعينات في مجالات الزراعة والمنسوجات وصادرات الغاز المصري لإسرائيل، وذلك إلى حد قيام بعض المحللين بالتأكيد على أنه اعتباراً من العقد الثالث من حكم مبارك باتت العلاقات المصرية / الإسرائيلية بمثابة علاقات استراتيجية أو بالأحرى انقلب السلام البارد بين الجانبين إلى سلام استراتيجي، تتسم فيه العلاقات بقدر من الثقة والتوقعية والتفاعل الروتيني فيما بين المسئولين الحكوميين في البلدين(9 ). وكمثال على ذلك توقيع الجانبين على اتفاق المناطق الصناعية المؤهلة في 14 ديسمبر عام 2004 والذي سمح للمنتجات المصرية بالنفاذ للسوق الأمريكية بدون رسوم جمركية متى تضمنت مكوناً إسرائيلياً نسبته 11.7%(جرى تخفيضها لاحقاً الي 10.5%)، وكذلك صفقات الغاز التي أُبرِمت منذ بدايات عام 2000 والتي استمر تنفيذها حتى يناير2011، ثم جاء التطور الخاص بإنشاء منتدي للتعاون في مجال غاز شرق المتوسط في يناير2019 ليمثل تطوراً غير مسبوق في هذا الشأن.
 
ومن المهم الإشارة إلى أنه منذ عام 2013 وتولي الرئيس السيسي الحكم، ومع وضوح الانحياز الأمريكي لإسرائيل وتراجع واشنطن عن مشكلات الإقليم وتبنيها أجندة قد لا تتفق بالضرورة مع المصالح المصرية وأمن البلاد القومي، بما في ذلك الإصرار على ممارسة ضغوط على القاهرة من خلال تجميد وحجب أجزاء من المساعدات المدنية والعسكرية لأسباب متنوعة، تتبنى مصر استراتيجية دولية تقوم على سياسة تنويع الخيارات، ليس فقط بالمعنى السياسي، بل وأيضاً الاقتصادي والعسكري والأمني. وفي هذا السياق، كانت مصر قد بدأت في إعادة بناء قواتها المسلحة وتحديثها من خلال شراء الأسلحة والمعدات العسكرية من دول مثل فرنسا وروسيا وألمانيا، كما شهدت علاقاتها بدول عدة، لاسيما بكل من روسيا والصين، تطوراً كبيراً خاصة خلال العقدين الماضيين. وبوسع مصر استثمار علاقاتها الدولية المتنوعة هذه لبلورة مبادرات لتحريك عملية السلام المتعثرة في الشرق الأوسط، خاصة وأن القوي الكبرى المعنية لديها مصالح لا يُستهَان بها في منطقتنا، وبالتالي، يعنيها استعادة الأمن والاستقرار في هذا الجزء الحيوي من العالم.
 
ومما لا شك فيه أن الدعم الامريكي غير المشروط لإسرائيل في عهد  ترامب، بدءاً بالاعتراف بالقدس عاصمة لها ونقل السفارة الامريكية اليها، والانسحاب الامريكي من " خطة العمل المشتركة الشاملة " (JCPOA) والمعروفة بالصفقة النووية الايرانية، والدعم المطلق للمواقف الاسرائيلية في المؤسسات الدولية، والوقف الكامل لبرنامج المساعدات الاقتصادية المخصص للضفة الغربية وغزة، منذ العام المالي 2017، وبدء سريان " قانون مكافحة الارهاب " (ATCA) اعتباراً من فبراير2019 الذي يعرض السلطة الفلسطينية للملاحقة القانونية أمام المحاكم الامريكية حال قبولها أي مساعدات مالية امريكية( 10)، كل ذلك يمثل تحدياً جدياً للسياسة الخارجية المصرية الساعية الي ايجاد حل عادل ونهائي للنزاع الاسرائيلي الفلسطيني. 
 
عزز هذا الدعم الامريكي من قوة اسرائيل الاستراتيجية ومضيها قدماً في تحدي البيئة الاستراتيجية حولها، كما أدت الروابط الوثيقة بين البلدين الي مساعدة اسرائيل على تعزيز وضعيتها الدولية، خاصة خلال السنوات الاخيرة نتيجة لقدرتها على استعراض قوتها العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية(11 ).
 
 والامر هنا لا يقتصر على الدور الاسرائيلي الواضح على المسرح الافريقي، ناهيك عن الاتصالات والزيارات التي تمت في الفترة الاخيرة مع بعض الدول العربية، لاسيما دول الخليج، بل امتد ليشمل القوي الكبرى في العالم. ومن ذلك الحوار المتواصل والمتطور بين رئيس الوزراء نتنياهو والرئيس الروسي بوتين، حيث ساهم كثيراً، رغم التوتر في علاقات البلدين خلال عام 2018 بسبب حادث اسقاط طائرة روسية في سبتمبر 2018، في تخفيف الضغوط الواقعة على اسرائيل ارتباطاً بالأزمة السورية، كما أظهر هذا الحوار الأهمية التي يعلقها الرئيس الروسي في الابقاء على علاقات وثيقة مع اسرائيل وقناعة موسكو بالحاجة الي الاعتراف بمصالح اسرائيل في هذا الملف.
 
 في الوقت ذاته، فإن المواقف المتطابقة لكل من ادارة ترامب والحكومة اليمنية المتطرفة في اسرائيل، سواء فيما يتعلق بالنزاع الاسرائيلي الفلسطيني أو ايران، يساهم في توسيع الهوة بين اسرائيل وحلفائها الرئيسيين في أوروبا، لاسيما كل من فرنسا والمانيا والمملكة المتحدة. وبوسع مصر تنسيق جهودها لدفع عملية السلام مع شركائها الاوروبيين وحث الكبار منهم على الاعتراف بالدولة الفلسطينية، خاصة وانهم اتخذوا مواقف واضحة من مسألة نقل السفارة الامريكية الي القدس ومن الانسحاب الامريكي من الصفقة النووية الايرانية، وهي كلها خطوات يدرك الجميع بما فيهم اسرائيل، أنها انعكست سلباً على قدرة الولايات المتحدة على قيادة العملية السياسية. ومن المهم الاشارة في هذا السياق الي القمة العربية الاوروبية التي استضافتها مصر في 24 / 25 فبراير 2019، والتي أكد البيان الصادر عنها المواقف المشتركة "للجانبين من عملية السلام في الشرق الاوسط، بما في ذلك وضع القدس، وعدم مشروعية المستوطنات الاسرائيلية في الاراضي الفلسطينية المحتلة وفقاً للقانون الدولي، والتأكيد مجدداً على التزام الجانبين العربي والاوروبي بالتوصل الي حل الدولتين وفقاً لكافة قرارات الامم المتحدة ذات الصلة، بوصفة السبيل الواقعي الوحيد لإنهاء الاحتلال  الذي بدأ عام 1967، والذي يشمل القدس الشرقية"( 12). ومع ذلك لا يجب النظر الي دور الاتحاد الأوروبي على أنه بديل عن الدور الامريكي في التوصل الي تسوية، إذ يظل  هذا الدور أساسياً باعتراف الاوروبيين انفسهم( 13)، وإن ظل غير كاف بمفرده. 
 
و هنا، من المهم الاشارة أيضاً الي ما أكده الرئيس السيسي في كلمته الرئيسية أمام الدورة الخامسة والخمسين لمؤتمر ميونخ لسياسات الأمن، الذي عقد في الفترة من 15 الي 17 فبراير الماضي وفي حضور نحو 40 رئيس دولة وحكومة، بأن عدم تسوية القضية الفلسطينية بصورة عادلة ونهائية يمثل المصدر الرئيسي لعدم الاستقرار بالشرق الاوسط، وأنه يجب وجود تضافر حقيقي لجهود المجتمع الدولي لوضع حد طال انتظاره لهذا الصراع، وفقاً للمرجعيات الدولية ذات الصلة والمتوافق عليها، واعمالا لمبدأ حل الدولتين، وحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم على حدود 4 يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية والتخفيف من معاناتهم اليومية، لأن ذلك سيشكل نواه الانطلاقة الفعلية للتوصل الي حلول ناجحة للصراعات الاخرى.
 
والخلاصة أن الخطوات التي اتخذتها ادارة ترامب لصالح اسرائيل قد أوصلت عملية السلام الي طريق مسدود أخذاً في الاعتبار رفض السلطة الوطنية الفلسطينية الدخول في محادثات مع ممثلي الادارة الامريكية، وهو ما يضاعف من مسئولية مصر عن سرعة التحرك والتنسيق مع جميع الاطراف لتحريك الموقف. والملاحظ هنا أن الدول العربية الرئيسية، خاصة مصر والسعودية، بدت عازفة عن تأييد جهود الادارة لاستئناف الحوار مع الفلسطينيين، أو الضغط على الجانب الفلسطيني للتعاون مع هذه الادارة. ولازال الجميع ينتظر الطرح الامريكي للسلام، والمعروف بصفقة القرن، وما اذا كانت ستلبي الطموحات الفلسطينية والعربية المشروعة من عدمه.
 
و رغم تصريحات نتنياهو المستمرة حول التطبيع مع بعض الدول العربية وبأن الاولوية لهذه الاخيرة – تماما كإسرائيل – هي مواجهة التهديد الايراني، إلا أن القادة العرب،  في معظمهم، كثيراً ما أكدوا أنه لا يمكنهم التحدث نيابة عن الفلسطينيين أو الحلول محلهم وان موقفهم هو تسوية القضية الفلسطينية على أساس مبدأ حل الدولتين والتمسك بمبادرة السلام العربية. ومما لاشك فيه أن من شأن ذلك دعم الموقف المصري من القضية، على النحو الذي أكده الرئيس السيسي في مؤتمر ميونخ وكذلك في كلمته أمام القمة العربية الاوروبية.
 
المراجع:
( 1) – Jimmy Carter : Faith that peace will one Day Come , the Cairo Review of Global Affairs ,  winter 2019, http://www.thecairoreview.com/tahrir.forum/faith-that-peace-will-one-day-come/. 
 
(2)- أنظر في ذلك  : د. أحمد يوسف أحمد : المبادئ الحاكمة للسياسة الخارجية المصرية في : الملف المصري (دورية شهرية تصدر عن مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية(– العدد (43) مارس 2018– ص12.
 
(3) Nabil Fahmy, “Palestine, an Arab Issue”, Cairo Review of Global Affairs, fall 2017– https://www.thecairoreview.com/essays/palestine-an-arab-issue/. 
 
(4 ) - انظر في هذا المعني السفير محمد انيس سالم: السياسة المصرية تجاه الولايات المتحدة – الملف المصري – مرجع سابق – ص21.
 
(5 )-Moran stern, “The Reality of Israel - Egypt Relations”, the Atlantic council, October 28, 2016, https://www.atlanticcouncil.org/blogs/menasource/the-reality-of-israel/egypt-relations.  
 
(6 ) - Charalampos Tsitsopoulos, “Egypt and Israel: rapprochement and ulterior motives”, Center for Mediterranean, Middle East &Islamic studies , 25 November 2018, http://www.cemmis.edu.gr/index.php/multimedia/item/579-egypt-and-israel-rapprochement-and-ulterior-motives
 
 (7)Hermann Frederick Eilts,” The United States and Egypt”, in: William B. Quandt (ed), the Middle East: Ten Years After camp David (Washington Dc: the Brooking institution, 1988), pp. 111- 150.
 
(8)-Cook, Steven A., “The struggle for Egypt: from Nasser to Tahrir Square”, Oxford: Oxford University press, 2011.
 
(9) - Aran , A.& Ginat, “Revisiting Egyptian foreign policy towards Israel under Mubarak: from cold peace to Strategic peace”. the Journal of Strategic Studies, 37(4), 2014, pp. 556- 583.
 
(10) Dana Stroul and Daniel Shapiro: Here’s Why U.S. Aid to Palestinians Needs to Continue , The Washington Institute – for near East policy , Jan .31, 2019:  https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/heres-why-u.s.-aid-to-palestinians- needs-to-continue.  
 
(11)-  Eldad Shavit : International upheaval and Middle East : in: strategic Survey for Israel 2018 – 2019 , Anat kurz & Shlomo Brom (ed.), the Insitute for National Security studies , December 2018, p.57.
  
(12)  الفقرة 7 من البيان الختامي .
 
(13) - Federica Mogherini : keeping the of peace Alive, the Cairo Review of Global Affairs , winter 2019, http://www.thecairoreview.com/essays/keeping-the-hope-of-peace-alive/
نشرت بمجلة السياسة الدولية عدد 216 – إبريل 2019

 

 

 

المزيد من أنشطة الأعضاء

التصعيد التركي غير المبرر في شرق المتوسط9/5/2019

 التصعيد التركي غير المبرر في شرق المتوسط 9-5-2019  المزيد

أشهر سفراء مصر في أمريكا: الرئيس السيسي يتحدث باسم العرب...

  أشهر سفراء مصر في أمريكا: الرئيس السيسي يتحدث باسم العرب وأفريقيا السفير عبد الرءوف الريدي خلال الحوار مع أسامة السعيد 9/4/2019   المزيد

31/3/2019السلام بعد أربعين عامًا ... أ. د. محمد كمال

 السلام بعد أربعين عامًا ... أ. د. محمد كمال  31-3-2019  المزيد

القاهرة ــ إيه سى «Cairo، A.C» السفير سيد قاسم المصري

 القاهرة ــ إيه سى «Cairo، A.C» السفير سيد قاسم المصري24/3/2019  المزيد

..وكان للمصريين اليهود دور فى ثورة 1919- د. على الدين ه...

 ..وكان للمصريين اليهود دور فى ثورة 1919- د. على الدين هلال  24 مارس2019  المزيد