الثلاثاء ٢٣ أكتوبر, ٢٠١٨ 

وسائل الإعلام

الصفقة النووية الإيرانية … الي اين؟

 
تفجر نزاع إيران مع المجتمع الدولي حول ملفها النووي منذ عام 2002 ، عندما قامت مجموعات المعارضة الإيرانية في الخارج بإبلاغ الوكالة الدولية للطاقة الذرية بأن حكومة طهران قامت ببناء مفاعلين نوويين في كل من ناتانز (Natanz ) وأراك (Arak ) ، وهو ما لم تكن طهران قد أبلغت الوكالة به (1 ).
ومنذ عام 2003 بدأت عمليات التفاوض مع إيران ، والتي شهدت شداً وجذباً وفترات توقف وضغوط عديدة مورست على حكومة تلك الدولة شملت عقوبات اقتصادية وتجارية .
 
وبعد مفاوضات مكثفة استمرت نحو 20 شهراً ، وقعت إيران ومجموعة دول 5+1 ( الدول النووية الخمس المعترف بها وهي الاعضاء الخمسة الدائمين بمجلس الأمن وألمانيا ) والاتحاد الأوروبي ، في 14 يوليو 2015 في فيينا ، ما يعرف " بخطة العمل المشتركة الشاملة " "  Joint Comprehensive Plan of Action( JCPOA)  ، وذلك بعد اتفاق مؤقت  Interim agreement  بين الطرفين وقع في 24 نوفمبر 2013 في جنيف ، وافقت إيران بموجبه على وقف بعض الأنشطة في برنامجها النووي مقابل تخفيف بعض العقوبات المفروضة عليها ، وبدأ تنفيذ ذلك بالفعل في 20 يناير 2014 ، مدت بعدها المباحثات حتي 24 نوفمبر 2014  ثم الي الأول من يوليو 2015 ، وبعد  توصل الطرفين الي اتفاق إطاري في 2 ابريل 2015 في لوزان، وهو الاتفاق الذي استندت عليه خطة العمل المشتركJCPOA)) . وقد وصفت الصفقة بالتاريخية وبأنها نجاح كبير للدبلوماسية الدولية أمكن من خلالها تجنب شن الحرب(2 ) .
 
وقد أكد المفاوضون ان الصفقة ، ارتكزت بصفة أساسية على الأحكام التي تضمنها نظام منع الانتشار وفقاً لمعاهدة منع الانتشار النووي( 3) ، ونظم ضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية(4 ).
 
ونعرض فيما يلي مضمون حقوق والتزامات الاطراف بموجب الصفقة، وتطورات الموقف الامريكي منها وردود فعل أطرافها على هذا الموقف، ووجهة النظر الاسرائيلية في هذا الشأن ، وفرص استمرار العمل بالاتفاق :
مضمون حقوق والتزامات الأطراف بموجب الصفقة:
 
وفقاً لبنود الصفقة ، تحتفظ إيران بقدرات لتخصيب اليورانيوم ، اكتسبتها بالمخالفة لالتزاماتها بموجب معاهدة منع الانتشار النووي وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة التي صدرت نتيجة لذلك ، وهي قرارات المجلس أرقام : 2006/1969و 2006/1731 و 2006/1747  و  2008/1803 و 2008/1835و 2010/1929 ، والتي أوقف المجلس العمل بها بموجب قراره رقم 2231 الصادر في 20 يوليو 2015 ، والذي أقر الصفقة .
 
في المقابل تضع الصفقة البرنامج النووي الإيراني بأكمله تحت نظام خاص للرقابة والتفتيش على أساس نصوص الصفقة ذاتها وخريطة الطريق والبروتوكول والإضافي للمعاهدة ، الذي التزمت إيران بتوقعيه فيما بعد . وقد كلف فريق مفتشي الأمم المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية  بمراقبة كل عناصر ومراحل عملية التخصيب ، ابتدءاً من استخراج المادة الخام من المناجم ومروراً بتخزينها واستخدمها وإنتاج الوقود اللازم لتشغيل المفاعلات .
 
ومما لاشك فيه أن احتفاظ إيران بالحق في التخصيب ، هو المكسب الأكبر الذي خرجت به من الصفقة النووية ، فقد تمسكت إيران خلال المفاوضات بأن المعاهدة تقر للدول الأطراف الحق  في التخصيب وأنها لن تتنازل عن هذا الحق وكان لها ما أرادت ، وإن كان ذلك بنسبة منخفضة (3.67%) .
ومن المعلوم أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تعترف بهذا الحق في المعاهدة . وفي الاتفاق المؤقت الموقع 24 نوفمبر 2013، وكذلك في بنود الصفقة ، اعترفت واشنطن وشركائها من مجموعة الـــــــ 5+1 بأن لدي إيران برنامج تخصيب وانها ستحتفظ ببرنامج محدود في هذا الشأن يغطي " احتياجاتها العملية  Practical needs "  اللازمة لأنشطتها النووية السلمية ،  ويعني ذلك أن الولايات المتحدة ، وإن اعترفت بوجود برنامج تخصيب لدي إيران إلا أنها لم تعترف بحقها في ذلك بموجب المعاهدة . وقد حرص وزير الخارجية الأمريكي السابق جون كيري على التأكيد – سواء بعد توقيع الاتفاق المؤقت في نوفمبر 2013 أو وقت توقيع الصفقة النهائية – على أن سياسة الولايات المتحدة الأمريكية لم تتغير في هذا الشأن وانه " لا يوجد حق موروث في التخصيب(5) There is no inherent right to enrich “".
 
ولقد لقي موقف مجموعة 5+1 من المسألة – وما يزال – انتقادات حادة لاسيما من اليمين المحافظ في الولايات المتحدة الأمريكية وكذلك من إسرائيل ، خاصة وأن قرارات مجلس الأمن السابقة ذات الصلة ، التي أوقف قرار مجلس الأمن رقم 2231 العمل بها ، كانت تحظر على إيران تخصيب اليورانيوم ، ويشير هؤلاء الي أن قرارات المجلس التي اتخذها بموجب صلاحياته في إطار الفصل السابع من الميثاق ينظر إليها عادة كقواعد قانونية دولية ملزمة ، على نحو ما تنص عليه المادة 25 من ميثاق الأمم المتحدة التي تؤكد أن جميع الدول الاعضاء في المنظمة " اتفقت على قبول وتنفيذ قرارات مجلس الأمن " . وتضيف الانتقادات أن إقرار الحق في التخصيب لإيران ،    ( والتي لا تمنحها المعاهدة هذا الحق )،يشكل سابقة يمكن استخدامها من جانب دول أخري ، كما وأن هذا الحق سيجعل تلك الدول قريبة جداً من صناعة سلاح نووي( 6).
 
ووفقاً للصفقة التزمت ايران بتخفيض مخزونها من اليوانيوم منخفض التخصيب “LEU” من 10 طن إلي 300كجم . كذلك لن تتمكن طهران من إنتاج رؤوس نووية تعمل بالبلوتونيوم  Plutonium based nuclear warheads “ " للخمسة عشر عاماً القادمة على أساس انها سوف تعيد تصميم مفاعلها النووي الذي يعمل بالماء الثقيل في آراك ، وأنه محظور عليها بناء مفاعلات مماثلة ، كما ستتخلص من أي وقود مستنفد لمثل هذه المفاعلات .
 
ومن المهم الإشارة إلي ان كل هذه الشروط الفنية كان قد تم الاتفاق عليها بالفعل في 2 إبريل 2015 في إطار الاتفاق الإطارى الذي وقع في لوزان .
 
و في مقابل الالتزامات السابقة ، تنص الصفقة على رفع الجزاءات المفروضة  على إيران تدريجياً ، وبما يتماشى مع تنفيذ التزاماتها على مراحل ووفاقً لخطوات يتم التحقق منها من جانب الوكالة الدولية للطاقة الذرية .
 
وجاءت الخطوة الاولي في رفع الجزاءات مع بدء الموفقة على الصفقة من جانب مجلس الامن – أو ما يسمي بيوم الاعتماد  Adoption Day  - بموجب قرار المجلس رقم 2231 في 20 يوليو 2015 ، وهو اليوم التالي لمرور 90 يوماً على قرار المجلس ، الذي نصت الفقرة العاملة ( 21) منه على الغاء العمل بالعقوبات التي فرضت على إيران بموجب قرارات ستة سبق للمجلس ان أقرها في الفترة ما بين عام 2006 وحتي عام 2010 ، ضمن صلاحياته بموجب الفصل السابع من الميثاق .
 
وقد سمحت مهلة الـــــ90 يوماً ، المشار إليها عالية ، لمجموعة 5+1 بمراجعة الصفقة داخلياً . 
 
ويعد تاريخ 16 يناير 2016 هو يوم تنفيذ الصفقة وهو اليوم الذي أعلنت فيه الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن إيران اتخذت الخطوات المنصوص عليها في الصفقة لتقييد برنامجها النووي والسماح لمفتشي الوكالة بمراقبة وتفتيش منشآتها ذات الصلة . وبحلول ذلك التاريخ  دخل  قرار مجلس الأمن رقم 2231 حيز النفاذ ، وبالتالي فإنه في يناير الماضي يكون قد مضي عامين على بدء تنفيذ الصفقة النووية الايرانية.
 
ومع ذلك ، هناك جزاءات امريكية ظلت نافذة ، حيث تنظر الحكومة الامريكية إلي إيران كدولة راعية للإرهاب ومنتهكة لحقوق الانسان ، كما تتهم إيران بالتدخل في شئون حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الاوسط( 7) .
 
ووفقاً للاتفاق يتم رفع كامل العقوبات بشكل تدريجي على مدي عشر سنوات كما سيظل ممكناً إعادتها بشكل تلقائي على مدي (15 عاماً ) في حال اخلت إيران بالتزاماتها .
 
وتشير القراءة المتعمقة لبنود الصفقة الي إن الالتزامات التي تضمنتها هي التزامات من طبيعة سياسية ، كما أنها تفتقد الي الصفة الالزامية ، بل ويمكن التراجع عنها بالإرادة المنفردة بجانب كون بعضها مؤقتاً :
 
1-فهناك توافق بين الخبراء على انه لا يوجد في الصفقة أي عنصر يمنع إيران من التوجه نحو تطوير سلاح نووي . ومع ذلك فإن قراءة عناصر الصفقة ككل ، بما فيها القيود على الانشطة النووية وصلاحيات الوكالة الدولية  للطاقة الذرية في مجال التحقق والرقابة ، توضح إننا بصدد نظام شامل يضع الاسلحة النووية بعيداً عن متناول يد إيران لمدة خمسة وعشرين عاماً على الاقل ( 8).
 
وقد أقر الجانب الامريكي بحقيقة أن طموحات إيران النووية قد تم تجميدها لفترة تتراوح ما بين عشرة وخمسة عشر عاماً قادمة ، مشيراً إلي ان ذلك بمثابة ميزة حقيقية للولايات المتحدة بموجب الصفقة ، "التي أنجزت بفضل دبلوماسية صعبة وليس حرباً “ it was achieved by tough-minded diplomacy and not war “(9 ).
 
2- في المقابل ، تؤكد قراءة بنود الصفقة أنها ، أو قرار مجلس الأمن رقم 2231 الذي أقرها ، لا تمنع – من الناحية القانونية البحتة – من قيام الولايات المتحدة الأمريكية أو اي طرف أخر من مجموعة الــــــــ5+1 من أن يعيد ، بالإرادة المنفردة ، فرض الجزاءات ، التي تضمنتها قرارات مجلس الأمن الستة الملغاة بموجب القرار رقم 2231 ، على إيران مجدداً ، وذلك إذا ما ارتأت أي من هذه الدول أن طهران لم تنفذ تعهداتها بموجب الصفقة ( 10).
وفي هذه الحالة ، ووفقاً للقرار 2231 ، سيكون على أعضاء مجلس الأمن التصويت على مشروع قرار جديد إما بالاستمرار في مد إلغاء القرارات الستة  ( الملغاة) او استئناف العمل بها ، وذلك خلال ثلاثين يوماً من تلقي المجلس إخطاراً " بمسألة يري طرف من اطراف الصفقة أنها تشكل عدم امتثال جوهري " Significant non-performance “" للتعهدات التي التزمت بها إيران وفقاً للصفقة . وفي حالة عدم إصدار المجلس قرار جديد بمد الالغاء ، سيعاد العمل بالقرارات الستة تلقائياً في غضون ثلاثين يوماً .
 
تطورات الموقف الامريكي من الصفقة وردود فعل أطرافها: 
 
في 17 سبتمبر 2015 انتهي مجلس الشيوخ الامريكي من عملية مراجعة الصفقة بعد شد وجذب بين أعضاء المجلس من الجمهوريين وادارة الرئيس أوباما التي استخدمت عدداً من الحجج لحث المجلس على الموافقة على الاتفاق أبرزها :
•إن رفض الصفقة من قبل مجلس الشيوخ يبعث برسالة للعالم مفادها انه لا يمكن الاعتماد على الولايات المتحدة في تنفيذ معاهدات منع الانتشار النووي التي تتفاوض عليها الادارة . وذلك سوف يقطع المجلس الطريق ، ليس فقط على أوباما في محاولته تأمين صفقة أفضل مع ايران ، بل وأيضاً آية مساعي مستقبلية من الرئيس لمنع الانتشار النووي من خلال الوسائل الدبلوماسية.
 
أن منع المجلس  الحكومة الامريكية من تنفيذ التزاماتها بموجب الصفقة ، يحمل في طياته مخاطر انهيار نظام الجزاءات الذي وقعت عليه إيران ، حيث أن الدول الاخرى التي وقعت الصفقة والتزمت بها تعهدت برفع هذه الجزاءات عن إيران بغض النظر عن موقف واشنطن ، وفي هذا  السياق أشير الي ان السياسات الايرانية ، حتي قبل وصول الرئيس حسن روحاني للحكم عام 2013  ، قد ساهمت في استمرار التوافق الغربي / الروسي حول استمرار العقوبات ضد إيران . كذلك فإن وصول روحاني بدبلوماسيته وتجاوب طهران مع ضغوط مجموعة الـــ 5+1 ، التي أضيرت اقتصادياً وتجارياً نتيجة فرض عقوبات على طهران بجانب شركاء إيران التجاريين ممن انضموا لنظام الجزاءات ، بما فيهم العديد من دول الاتحاد الاوروبي وكوريا الجنوبية واليابان والهند . كل هذا بات عنصراً ضاغطاً على هذا التوافق ، الذي زادت مخاطر انفراط عقده . فقد تحملت معظم هذه الدول أعباء الجزاءات فقط لأنها اعتقدت ان الولايات المتحدة الامريكية كانت تتعامل مع الملف النووي الإيراني وتتفاوض عليه بحسن نية لتسويته دبلوماسياً . وبالتالي فعدم توقيع واشنطن على الاتفاق يقوض الثقة فيها ويسقط نظام الجزاءات .
 
والواقع ان الحملة التي قادها – وما يزال – المحافظون وأصدقاء اسرائيل في الولايات المتحدة ، بعد ان فشلت في وقف الصفقة ، ركزت جهودها في اتجاه تجميد تنفيذ بنودها على أمل أن يقوم الرئيس القادم بإعادة فتح الملف . وبالتالي برزت الصفقة كإحدى القضايا الجدلية في حملة الانتخابات الرئاسية ، حيث وصفها المرشح الجمهوري ترامب " بالصفقة الكارثية "، كما لم يخف ترامب رغبته في التخلص منها أو تقويضها من خلال اعادة النظر فيها . وفي خطاب تنصيبه في 20 يناير 2017 أشار ترامب الي الشيء ذاته. ومع ذلك ، امتنع ترامب عن المساس بالاتفاق ، حيث صدق مرتين، كل 90 يوماً  وفقاً للقانون الامريكي ، خلال الاشهر الثمانية الاولي من ولايته على امتثال ايران لهذا الاتفاق ، وظل يعفيها من العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها ، والتي وافقت الولايات المتحدة على رفعها كجزء من الاتفاق . وفي 14 اكتوبر 2017 قرر ترامب عدم التصديق على الاتفاق وإرساله الي الكونجرس للنظر في فرض مزيد من العقوبات على  إيران ، كما هدد اعضاء الكونجرس والشركاء الدوليين في الصفقة ، انه في حال " لم نتمكن من التوصل الي حل"، فإن الاتفاق سيكون ملغياً ". وفي منتصف يناير الماضي ، فعل ترامب الشيء ذاته رافضاً التصديق على الصفقة بدعوي ان ذلك يحقق مصالح الامن القومي الامريكي ، وأنه بذلك يتيح للكونجرس إمكانية فرض مزيد من العقوبات على إيران بسبب برنامجها الصاروخي ، وان هناك عدد لا يستهان به من الاعضاء على قناعة بان الصفقة النووية الايرانية أتاحت الفرصة لطهران للتوسع في الاقليم وتطوير قدراتها الصاروخية " ونشر الارهاب في الشرق الاوسط " حسبما ذكر وزير الدفاع الامريكي جيمس ماتيس(11).
 
وفي خطابه حول حالة الاتحاد في مطلع فبراير 2018 ، أعاد ترامب دعوة الكونجرس الي التعامل مع ما اسماه بـــ " أوجه الخلل الرئيسية في الصفقة النووية الايرانية السيئة " ، مردداً ماسبق ان ذكره من انه سيسحب من الاتفاق مالم يقم الكونجرس وأوروبا بالاتفاق على فرض قيود جديدة على ايران .
وقد أثار موقف ترامب خلافاً داخل إدارته ذاتها حيث أكد وزير الدفاع ماتيس ورئيس هيئة الاركان المشتركة الجنرال جوزيف دانفورد أن طهران ملتزمة بالاتفاق النووي مع الدول الكبرى محذران من أن انسحاب واشنطن منه سيؤثر سلباً على مصداقية الولايات المتحدة ويثني الدول الاخرى عن ابرام اتفاقيات معها . بل ان المندوبة الامريكية لدي الامم المتحدة نيكي هايلي لفتت الي ان بلادها " باقية في الاتفاق " ، مضيفة ان ادارة ترامب تريد التوصل الي رد " متناسب " مع تصرفات طهران" ، مبررة متابعة الولايات المتحدة الاتفاق عن كثب بتصاعد التوتر مع بيونج يانج بسبب برنامجها النووي ، وزادت : " ما نقوله الان في ما يتعلق بإيران هو: لا تسمحوا لها بان تكون كوريا الشمالية المقبلة " . وأقرت بأن الايرانيين " لا ينتهكون الاتفاق " ، واستدركت: "  علينا ان نحاسبهم ، ولا يمكن ان يواصلوا دعم الارهاب في العالم ، ولا الاستمرار في اختبار صواريخ باليستية ، ستؤدي الي ايران نووية ولا يمكنهم مواصلة تهريب أسلحة ".
 
وقد جاءت ردود فعل شركاء الولايات المتحدة في الاتفاق فورية ، حيث انتقدت فيدريكا موجيرني المفوضة الاوروبية للسياسة الخارجية موقف ترامب ، مؤكدة أن الاتفاق النووي مع إيران " ليس اتفاقاً ثنائياً " ، وهو لا ينتمي لأي بلد ، وليس من حق أي دولة ان تنهي العمل به " . كما أصدر قادة بريطانيا وفرنسا والمانيا بياناً مشتركاً ، اكدوا فيه انهم  " باتوا ينتبهون لقرار ترامب ، ويخشون من الاثار المحتملة له " وأضافوا :" نشجع الادارة الامريكية والكونجرس على النظر في الأثار المترتبة على أمن الولايات المتحدة وحلفائها قبل اتخاذ اي خطوات من شأنها ان تقوض خطة العمل الشاملة المشتركة ، مثل إعادة فرض العقوبات التي تم رفعها عن ايران بموجب الاتفاق " . واوضح بيان الدول الثلاث ان خطة العمل المشتركة هي المحصلة النهائية لأكثر من عقد من المفاوضات ، وأنهم سيواصلون الالتزام بالاتفاق . وفي هذا السياق ، جاء رد الفعل الروسي والصيني ، حيث رفضا الموقف الامريكي ، و اكدت الدولتين التزامهما الكامل بالاتفاق .
 
أما بالنسبة لإيران ، فقد صرح المتحدث باسم الحكومة محمد باقر نوبخت إن " الولايات المتحدة وحيدة ، والعالم الان يؤيد موقف ايران التي تمثل انجازها في فرض العزلة على امريكا " . وأضاف ان " اسم ترامب بات مرادفاً للعدائية والبذاءة ، وبلادنا ليست في ظروف تعطي النفط مقابل الغذاء " . وقد رفض كبار المسئولين الايرانيين في بياناتهم أي ربط بين الاتفاق النووي  والملفات الاقليمية او بالبرنامج الصاروخي الايراني .
 
كذلك فشلت جهود السفيرة الامريكية في الامم المتحدة في اقناع الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالمطالبة بزيارة منشآت عسكرية في ايران ، واستغلال ذلك فيما بعد لرفض ايران المتوقع لهذه الزيارة بإعلان إلغاء الاتفاق النووي ، وهو ما يؤكد ادراك الادارة الامريكية بأنها لا تملك دليلاً قاطعاً يمكن ان يساعدها . في الادعاء بخرق طهران للاتفاق ، على خلاف ما تؤكده الوكالة الدولية للطاقة الذرية .
 
الموقف الاسرائيلي :
 
كما هو معلوم ، سعت اسرائيل على مدي سنوات – استناداً الي تقييمها للاتفاق النووي مع ايران بأنه ينطوي على خطر استراتيجي كبير لها على المدي البعيد -  الي اجهاض الاتفاق ، مستخدمة في ذلك اصدقائها داخل الولايات المتحدة الامريكية والتهديد بتدمير المنشآت النووية الايرانية ، وغيرها من اساليب الضغط على إدارة أوباما الا ان هذا الضغط لم يسفر عن شيء ، حيث نجح أوباما في تمرير الصفقة في الكونجرس على نحو ما سبقت الاشارة اليه .
 
وقد عبر " معهد ابحاث الامن القومي " الاسرائيلي بجامعة تل أبيب عن موقف اسرائيل الحالي من الاتفاق النووي مع ايران بدراسة الواقع الاستراتيجي الشامل آزاء هذه الدولة في الوقت الحالي( 12) ، حيث خلص الي القول بأن الضرر المترتب على قرار أمريكي بالانسحاب من الاتفاق النووي يفوق الفائدة المتوقعة من هذا القرار. وتضيف دراسة المعهد أنه يتعين على الولايات المتحدة اليوم قيادة جهود دولية لممارسة الضغط على ايران ، من خلال الاصرار على تطبيق الاتفاق بصورة كاملة ودقيقة ، " ثم معاقبة ايران على اعمالها وخطواتها المتحدية والاستفزازية في المجالات التي لا تشكل جزءاً من مشروعها النووي : ووفقاً للتحليل الذي أجراه المعهد الاسرائيلي فإنه على الرغم من الاختلاف بشأن جودة الاتفاق ومدي قدرته على منع ايران من امتلاك سلاح نووي ، الا ان هناك توافقاً على انه يشكل ، في الوقت الحالي ، حقيقة ناجزة وان الشركاء الاخرين فيه يعارضون إعادة فتحه من جديد . ومن شأن خطوة امريكية للخروج منه من جانب واحد للخروج منه في الوقت الراهن ان تسبب احتكاكاً وتوتراً بين الادارة الامريكية وحكومات تلك الدول وأن تتيح للنظام الايراني استغلال انسحاب الولايات المتحدة لمصلحته .
 
ويؤسس معهد أبحاث الامن القومي الاسرائيلي موقفه هذا على اعتبار ان انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق يشكل خطراً على القدرة الحالية على محاصرة وتقييد المشروع النووي الايراني على امتلاك السلاح النووي تبعاً لذلك . وفي ضوء امكان ممارسة الضغوط على ايران اليوم فيما يتعلق بتطبيق الاتفاق دون إعادة التفاوض عليه ومن دون انسحاب الولايات المتحدة منه ، ومن الاجدر ، بل من الحيوي استنفاد هذا المسار الآن .
 
في السياق عاليه ، خلص تحليل المعهد الاسرائيلي الي التوصية بالاتي :
 
-عدم إعادة فرض العقوبات ضمن إجراء يعني عملياً انتهاك الاتفاق، وإنما مطالبة إيران بتطبيق الاتفاق كاملاً ومطالبة الوكالة الدولية للطاقة النووية بتشديد المراقبة والتفتيش على التطبيق ونشر جميع نتائج التفتيش والمراقبة كما كان متّبعاً في الماضي، وذلك من أجل تعزيز الشفافية بشأن التطبيق الإيراني للاتفاق. 
-رفع الوعي الدولي للانتهاكات الإيرانية لقرارات مجلس الأمن الدولي ومطالبة جميع الدول الشريكة في الاتفاق النووي بالانضمام إلى العقوبات جرّاء هذه الانتهاكات. في هذا الإطار، يجب العمل من أجل إصدار قرار جديد في مجلس الأمن الدولي يعيد تأكيد الحظر الوارد في قرارات سابقة على تنفيذ أي عمل، بما في ذلك التطوير، الإنتاج أو إجراء تجارب على صواريخ بالستية وصواريخ موجَّهة قادرة على حمل رؤوس نووية حربية. 
 
-عزل النظام الإيراني وممارسة الضغوط عليه على خلفية انتهاكاته لحقوق الإنسان بصورة عامة، وقمع التظاهرات الأخيرة بصورة خاصة. في هذا الإطار، يجب على الولايات المتحدة استنفاد جميع العقوبات والأدوات التي يخوّلها إياها البندان 402 و 403 في قانون  " قانون تخفيض التهديد الايراني وحقوق الانسان في سوريا " ضد الجهات التي تساهم في انتهاك حقوق الإنسان في ايران .
 
-فرض عقوبات ثنائية أميركية على النظام الإيراني جرّاء هذه الانتهاكات، إلى جانب تجنيد الدول الأُخرى المشاركة في الاتفاق وغيرها من الدول لتبنّي هذه العقوبات وتطبيقها. 
 
ومن المهم الاشارة الي تأكيد العديد من الساسة الاسرائيليين على أنه في المدي البعيد يجب ان يكون تعديل الاتفاق وتطويل فترة التفكير في البديل المفضل ، هدفاً اسرائيلياً أمريكياً ، وأنه من أجل تحقيق هذا الهدف ، ومواجهة التهديدات التي ينطوي عليها الاتفاق الحالي ، هناك حاجة الي معركة دبلوماسية مسبقة وتنسيق اسرائيلي – أمريكي محكم.
والخلاصة هي أن مصير الصفقة مرهونة الآن بالكيفية التي ستتفاعل بها أوروبا مع الولايات المتحدة ومع ايران . وعلى حين يبدو الموقفين الروسي والصيني من الصفقة محسوماً برفض إعادة النظر فيها، سعت الدول الاوروبية الي حث ادارة ترامب على عدم الانسحاب من الصفقة ، وذلك رغم انضمام بعض المسئولين الاوروبيين الي نظرائهم الامريكيين في انتقاد برنامج ايران الصاروخي وسياساتها الاقليمية . ويتردد أن هناك مجموعة عمل تشاورية من الجانبين لمناقشة طلب ترامب في هذا الشأن .
 
والواقع ان تهديدات ترامب بالانسحاب من الاتفاق يستهدف اساساً خلق توافق غربي حول فرض عقوبات جديدة متعددة الاطراف على ايران بسبب سياساتها الاقليمية وبرنامجها الصاروخي .
 
وهناك تقديرات إيرانية عديدة تشير الي ان الصفقة يمكن تسقط في حالة انضمام أوروبا الي الولايات المتحدة في فرض عقوبات اقتصادية جديدة على ايران .
 
أخيراً في تقديري أن شبكة العلاقات المضطربة  القائمة بين ادارة ترامب والاوروبيين والروس لن تتيح الدفع قدماً ببلورة أي توافق حول إنشاء جبهة موحدة في مواجهة ايران لإسقاط الاتفاق، والذي تعكس مواقف أطرافه بصفة عامة – بما فيها الموقف الرسمي الامريكي– حرصاً واضحاً على استمرار العمل به رغم حملة الضغوط الامريكية القوية على إيران بسبب برنامجها الصاروخي وسياساتها الاقليمية .
 
المراجع 
 
1 - لمزيد من التفصيل راجع :
- Iran’s strategic weaponry Programmer: A net Assessment, 16 (Gary samara ed.2005.
 
2- انظر في ذلك :
- Dan Joyner: Guest post: The joint comprehensive plan of action regarding Iran’s Nuclear program, July 15th , 2015 . http://opiniojuris.org/2015/07/15/guest-post-the-hoint-comprehensive-plan-of-action-regarding-irans-nuclear-program/,15/7/2015. Iran, World powers reach historic nuclear deal http://www.washingtonpos.com/world/national-security/iran-wants-right-to-enrich-uranium-recognized-as-part-of-agreement-western-powers-wary/2013/11/22/ee7e46a8-5370-11e3-9e2c-e1d01116fd98-story.html
3- انظر في ذلك:
- George perkovich and others: parsing the Iran Deal, Canegie Endowment for International peace (August8,2015)
 
4 - اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بقرارها رقم 2373 الصادر في دورتها الثانية والعشرين في 12 يونيو 1968ودخلت حيز النفاذ عام 1970.حول الاعمال التحضرية للمعاهدة والمبادئ التي قامت عليها . وما تضمنته من التزامات انظر:
- Shaker (Mohamed.I) The Treaty on the non-proliferation of nuclear weaposn : A study based on five principles of UN general Assembly Resolution 2028 (xx)- I’Universtie de Geneve, Imprimerie Aveni S.A.1976. 
- THE Nuclear non-proliferation treaty, origin and implementation. 3 vols ocean publications, INC.1980.
- David ER. Sanger Gladstone.
 
5- راجع في ذلك :
- Arms Control Association: frequently asked questions about the Iran Deal-part One , Vol.7,No.10August31,2015.
 
6- انظر :
-David  s. JONAR: International law vs. The Iranin Nuclear Negotiations: salting a dangerous precedent , commentary (http://waronthe-rocks.com/category/commentary),May15.2015
 
7- استمرت إيران على قائمة الدول الراعية للإرهاب الدولي ، وفقاً لأخر تقارير الولايات المتحدة في هذا الشأن ( تقرير عام 2016 ) ، بجانب كل من السودان وسوريا . ويشير التقرير الي دعم ايران لمنظمات مثل حزب الله في لبنان وحماس في فلسطين وميليشيات شيعية في العراق ، الي جانب دعمها نظام الاسد في سوريا . ويضيف التقرير أن رعاية الدولة الايرانية للإرهاب في جميع انحاء العالم مازالت مستمرة من خلال قوة فليق القدس التابعة للحرس الثوري ، ووزارة المخابرات والامن وحزب الله
 
8 - راجع في ذلك :
- How Binding is the Iran Deal? – Arms control Association (https://www.armscontrol.org.2015/08)
 
 9 - راجع في ذلك تصريحات نيكولاس بيرنز  Burns  Nicolas مساعد وزير الخارجية الامريكي الاسبق ، واحد اعضاء فريق التفاوض الامريكي مع ايران في :
- Rick Gladstone, William J. Board : Iran meets terms of Nuclear deal ending sanctions , the New York Times , Jan. 17,2016,p.A1.
 
10- انظر في ذلك :
-   How binding is the iran Deal? Interview with John B. Bellinger3, council of foreign Relations, July 23,2015. 
 
11-  راجع: 
- Peter Huessy : Will the Mullah’s Missiles Baokfire ? the Begin – Sadat Center for Strategic Studies , Jan,26,2018- BESA Center Perspectives paper No 725.
 
 
12  -  راجع تقرير المعهد في :
- http://www.palestine-studies.org/ar/daily/mukhtaratview/22677#226777. 

 

 

المزيد من وسائل الإعلام

شكراً بيل جيتس..

 شكراً على وداعك المشهود للعالِم المصرى الطبيب عادل محمود، الذى قضى حياته فى تطوير لقاحات قادت...   المزيد

جامعة الدول العربية : بين التحدي والانجاز ....بقلم د. حسين...

 إن الاحتفال هذا العام بالذكرى الثالثة والسبعين لإنشاء جامعة الدول العربية يقتضى من المؤرخين...   المزيد

عبدالرؤوف الريدي: نواجه 4 تحديات مصيرية فى 2018

 السفير عبد الرؤوف الريدى، إن عدة تحديات تواجه مصر خلال عام 2018، ومن بينها مواجهة الفكر الاستعمارى...   المزيد

عبدالرؤوف الريدى سفير مصر الأسبق فى واشنطن: لقاءات السيسى...

 المصري اليوم تحاور«عبدالرؤوف الريدى »،سفير مصر الأسبق فى واشنطن تصوير : سمير صادقوصف عبدالرؤوف...   المزيد

الفرصة ما بعد الأخيرة

 أنيسة عصام حسونةلقد ولد جيلى العتيد ليجد القضية الفلسطينية موجودة بالفعل ومتوارثة بجرحها العميق...   المزيد